Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

مباريات برشلونة على ملعبهم أصبحت صامتة إلى حدٍ كبير. فالجماهير الكبيرة، إن كانت التسعون ألفًا في الملعب التاريخي “كامب نو” أو خمسة وأربعون ألفًا في الملعب المؤقت “مونتجويك”، يبقى تشجيعهم باهتًا إلى حدٍ كبير ويفتقد الشغف. حتى أن بعض المشجعين قالوا: “كأن المباريات التي تُلعب في برشلونة تُقام في كنيسة”.
وهذا ما كان واضحًا في مباراة دوري أبطال أوروبا ضد باريس سان جيرمان، حيث تصدرت هذه القضية عناوين الصحف الكتالونية في اليوم التالي، وأبدى الكتالونيون إحباطهم من طغيان صوت المشجعين الفرنسيين الزائرين على صوت الجمهور المحلي تمامًا، وهي لحظة أثارت غضب الإعلام الكتالوني وحرجه.[1]
لكن ما يجعل هذا الصمت أكثر قسوة هو رمزية المكان ذاته. فـ”كامب نو” لم يكن مجرد ملعب لكرة القدم، بل كان لعقودٍ مساحةً نادرةً يتحدث فيها الكتالونيون لغتهم بحرية، ويرفعون شعارات الاستقلال، ويعبّرون عن هويتهم في زمنٍ كانت فيه السياسة ممنوعة في الشوارع. كان صوت الجماهير في المدرجات امتدادًا لصوت الهوية الكتالونية نفسها.[2]
فكيف لأحد أكبر أندية العالم، الذي كان يومًا منبرًا لصوت شعبٍ كامل، أن يفقد صوته في ملعبه؟
معظم متابعي كرة القدم يُرجِعون السبب إلى أن الجماهير الكتالونية عادةً ما تكون هادئة في الملعب، أو يلقون باللوم على سياح مدينة برشلونة الذين يشاهدون المباراة دون شغف. لكن السبب الأهم في هذا الصمت أعمق من ذلك. فبغض النظر عمّن يملأ المقاعد، سواء كانوا سُيّاحًا أم كتالونيين، فإن السبب الحقيقي يعود إلى قرار اتخذه جوان لابورتا، رئيس النادي الحالي، منذ سنوات.
قرار غيّر وجه التشجيع في النادي الكتالوني؟

عندما انتخب جوان لابورتا لأول مرة كرئيس لنادي برشلونة عام ٢٠٠٣، أوضح عزمه على إبعاد المشجعين العنيفين من مدرجات الكامب نو[3].
فمُنعت ألتراس النادي، المعروفة باسم “بويكسوس نويس” او “الأولاد المجانين”، والتي تُمثل جماعة عنيفة ويمينية متطرفة، من حضور المباريات لما كان لهذه المجموعة تاريخ من السلوك العنيف، بما في ذلك اعتقالات متعلقة بالمخدرات وطعن مشجعي الفرق المنافسة. وعندما انتُخب لابورتا لأول مرة، كان مصممًا على التخلص منهم، مما أدى الى تلقيه تهديدات بالقتل، و تخريب منزله بعبارات جرافيتي مثل: “سنقتلك” و”منزلنا هو الكامب نو، ومنزلكم القبر”[4].
بعد سنوات، وفي عهد الرئيس جوزيب ماريا بارتوميو، حاول النادي إنعاش الأجواء بإنشاء “منصة ترفيه” منظمة، وهي نسخة أكثر أمانًا من قسم المشجعين، تهدف إلى إعادة الصخب دون عنف. ولكن بعد حوادث تورط فيها أعضاء سابقون في رابطة بويكسوس نويس، أُغلق المشروع بهدوء مجددًا. أما في مونتجويك، فالوضع أكثر محدودية: لا يوجد قسم حقيقي للجماهير، ومراقبة الأجواء أكثر صرامة لكونه ملعبًا بلديًا. وعندما يُعاد افتتاح كامب نو الجديد، لم يُبدِ لابورتا أي إشارة لإعادة المشجعين. لا تزال رابطة بويكسوس نويس محظورة رسميًا، ولا تزال المدرجات التي استضافتها سابقًا والتي كانت في يوم من الأيام أكثر مناطق أوروبا صخبًا مغلقة أمام المجموعات المنظمة.
بقراره هذا، أنهى لابورتا صفحة كانت مليئة بالمشاكل، لكنه في الوقت نفسه قضى على العنصر الأكثر صخبًا وتنظيمًا وحماسًا في مدرجات النادي. ففرقة “بويكسوس نويس”، رغم تاريخها المليء بالإشكالات والعنف، كانت في يوم من الأيام المحرك الرئيسي لأجواء كامب نو. هم من بدأوا الهتافات، وقادوا الأغاني، وحوّلوا المدرجات إلى نبضٍ حيّ. ومع رحيلهم، خيّم الصمت على مدرجات برشلونة. وتجلّت عواقب هذا الفراغ عام ٢٠٢٢ خلال مباراة ربع نهائي الدوري الأوروبي ضد آينتراخت فرانكفورت. في تلك الليلة، امتلأ ملعب كامب نو بما يقارب ٣٠ ألف مشجع ألماني جلس العديد منهم في مقاعد باعها حاملو التذاكر الموسم لنادي برشلونة حيث وصف لابورتا هذه الواقعة بأنها “عار”وانها لم تكن مجرد هزيمة على أرض الملعب، بل كانت إذلالًا أظهر مدى ابتعاد النادي عن جماهيره[5].
من هم الألتراس بين الجماهير، وما الذي يجلبونه للعبة؟

داخل كل قاعدة جماهيرية لفريق كرة قدم، توجد فئة تعتبر نفسها الأكثر تعصبًا. على سبيل المثال، كان هناك تقليديًا مشجعو كرة القدم الذين يشكلون مجموعات ال hooligans في المملكة المتحدة، و” torcidas oragnizadas” في البرازيل، و” barras bravas” في الأرجنتين وبقية أمريكا اللاتينية، و”ألتراس” في إيطاليا وجنوب أوروبا[6].
ظهرت مجموعات ال ” Ultras” في كرة القدم في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في إيطاليا، كجماعات شبه عسكرية، وأطلقوا على أنفسهم أسماءً تحمل دلالات عسكرية ك ” الكوماندوز، العصابات المسلحة، والفدائيون”[7].
بينما يُوصف ال “hooligans” عادةً بالسكر والفوضى، يميل مشجعو الألتراس إلى أن يكونوا أكثر تنظيمًا، حيث يلتزم الكثير منهم بهياكل وتسلسلات هرمية. وتحمل مجموعات الألتراس سمعة سيئة وارتباطًا بأفكار اليمين المتطرف، وتمتلك أيديولوجيات ورموزًا وعقليات فاشية جديدة. هذه المجموعات المثيرة للجدل التي سببت مشاكل العنف وتطرف, تريد ان تحافظ أيضًا على شيء أساسي: العاطفة. تُذكّر الجميع بأن كرة القدم أكثر من مجرد ترفيه إنها هوية وانتماء.
يتجاوز تأثير مجموعات الألتراس على كرة القدم مجرد الدعم، إذ عُرف عن هذه المجموعات دخولها في مفاوضات مع إدارة الأندية بشأن أسعار التذاكر، وسياسات الملاعب، وحتى انتقالات اللاعبين. و لا يزال مستقبل ثقافة الألتراس غير مؤكد في ظل صراعها مع المعايير المجتمعية المتطورة والديناميكيات المتغيرة داخل كرة القدم نفسها. ومع إعطاء الأندية الأولوية بشكل متزايد للمصالح التجارية على نماذج مشاركة المشجعين التقليدية، هناك خطر من أن يتم تخفيف الروح الأصيلة لثقافة الألتراس أو تسليعها. قد يؤدي هذا التحول إلى خيبة أمل بين المشجعين المخلصين الذين يشعرون بالغربة عن عمليات صنع القرار في أنديتهم.
في برشلونة مثلا، تضاءل هذا الارتباط العاطفي. أصبحت العلامة التجارية العالمية للنادي أقوى من أي وقت مضى، لكن نبضه المحلي خفت. فجماعات “الألتراس” كانت في يوم من الأيام الصوت الأكثر صخبًا للهوية الكتالونية داخل المدرجات. كانوا يهتفون من أجل الاستقلال، ويرفعون الشعارات السياسية، ويحوّلون مباريات كرة القدم إلى مساحة للتعبير الشعبي. ومع غيابهم، فقدت المدرجات هذا البعد الرمزي، وباتت الأهازيج التجارية والهواتف المرفوعة للكاميرات تحلّ محل الأعلام والشعارات.
كرة قدم جميلة ولكن صامتة
اليوم، يقدم برشلونة واحدة من أجمل فتراته الكروية منذ سنوات طويلة. الفريق عاد ليقدّم كرة قدم ممتعة ومنظمة بعد مرحلة من التراجع الفني والإداري. لكن رغم هذا التحسن، يبقى المشهد في المدرجات مختلفًا تمامًا. فالمباريات في مونتجويك، وقبلها في كامب نو، تُلعب وسط صمتٍ غير معتاد لنادٍ بحجم برشلونة.
غياب المجموعات المنظمة من المشجعين، وعلى رأسها ترك فراغًا واضحًا في أجواء النادي. فمهما كانت دوافع منعهم مبررة، لا يمكن تجاهل أن هذه المجموعات كانت تمثل العنصر الأكثر حيوية وتنظيمًا في المدرجات.
برشلونة اليوم يملك فريقًا كبيرًا، لكنه يفتقد لصوت جماهيره. والنادي الذي اشتهر بشعاره “أكثر من مجرد نادٍ” يبدو وكأنه فقد جزءًا من هذا المعنى. إلى أن تُفتح مدرجاته مجددًا أمام جمهورٍ قادر على إعادة الحياة إلى المدرجات، ستبقى مباريات برشلونة مثالًا على كرة القدم الجميلة… ولكن الصامتة.
[1] https://tribuna.com/en/blogs/unacceptable-that-fans-of-any-other-teams-voices-are-heard-o/
[2] https://www.goal.com/en-gb/news/mes-que-un-club-barcelona-club-motto-meaning-history-catalan-independence/c0e1i7haj3uh1hxu5wmid3qub
[3] https://as.com/futbol/2005/05/22/mas_futbol/1116743220_850215.html
[4] https://www.news24.com/laporta-death-threat-arrest-20040225
[5] https://www.espn.com/soccer/story/_/id/37627451/how-eintracht-frankfurt-fans-filled-barcelona-camp-nou-says-football-ticketing-model
[6] https://www.gre.ac.uk/articles/public-relations/football-ultras-different-continents-same-mindset
[7] https://www.theguardian.com/commentisfree/2018/apr/29/beyond-the-violence-shocking-power-ultras-wield-over-italian-football