Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

انطلقت مباريات كأس العالم. بالنسبة لعشّاق كرة القدم، كانت هذه الجملة وحدها كفيلة بأن تجعل كل شيء يتوقف. كنا ننتظر هذه اللحظة كل أربع سنوات بشغفٍ لا يوصف. كانت البيوت والشوارع والمقاهي تمتلئ بأعلام المنتخبات المشاركة، وكان السؤال الأكثر تداولًا: من تشجّع؟ ومن تتوقع أن يفوز؟ وكأن العالم بأسره يحصل على استراحة جماعية لمدة شهر.
لكن هذا العام مختلف.
الحديث ليس عن كرة القدم، ولا عن المنتخبات المشاركة، ولا حتى عن النجوم. الحديث يدور حول أسعار التذاكر، والمقاعد الفارغة، وملاعب كرة القدم الأمريكية، والعشب المؤقت، وعروض ما بين الشوطين، وإجراءات الأمن، وصعوبات السفر.
وربما لخّص رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، جياني إنفانتينو، كل هذا الجدل بجملة واحدة قال فيها:
“Chill, Relax”
لكن كيف يمكن للمشجعين فعل ذلك حقًا؟
نحن أمام أكبر نسخة من كأس العالم في التاريخ. يشارك فيها 48 منتخبًا بدلًا من 32 كما كان الحال في نسخة 2022، وتُقام خلالها 104 مباريات بدلًا من 64، فضلًا عن استضافتها في ثلاث دول مختلفة. لذلك يبدو أحيانًا أن حجم الدراما المحيطة بالبطولة يفوق حتى حجم حفل افتتاحها.
الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا هي الدول المستضيفة، لكن معظم الأنظار والانتقادات تتجه نحو الولايات المتحدة، ولسبب مفهوم.
فكأس العالم، في جوهره، يفترض أن يكون مناسبة تجمع الناس وتقرّب بينهم. لكن للمرة الأولى ربما يشعر كثير من المشجعين بأن قلقهم لا يتعلق بمرحلة المجموعات أو بإقصاء منتخبهم المفضل، بل بالقدرة على عبور الحدود.
تُعد التأشيرات إحدى أبرز المشكلات التي يواجهها المشجعون. فعدد كبير من الطلبات قوبل بالرفض أو واجه عراقيل معقدة. وهنا يبرز التناقض: كيف يمكن تسويق البطولة على أنها “بطولة الأحلام” و”أضخم كأس عالم في التاريخ”، فيما يُحرم كثيرون من فرصة حضورها أساسًا؟
ثم تأتي مسألة الملاعب.
صحيح أن الولايات المتحدة تمتلك بعضًا من أكبر وأحدث الملاعب في العالم، لكن معظمها بُني أساسًا لاستضافة مباريات كرة القدم الأمريكية. واليوم نشاهد عمليات تحويل واسعة لهذه الملاعب من خلال تركيب عشب طبيعي مؤقت وإجراء تعديلات تقنية ولوجستية متعددة.
قد يبدو ذلك مقبولًا على الورق، لكن مشجع كرة القدم يدرك أن أرضية الملعب ليست مجرد مساحة خضراء. فهي تؤثر في سرعة اللعب، وحركة الكرة، وإيقاع المباراة، وحتى في احتمالات الإصابات. لذلك عندما يتساءل البعض عمّا إذا كانت هذه الملاعب ستبدو طبيعية لكرة القدم، فهم لا يبالغون، بل يطرحون سؤالًا مشروعًا يتعلق بجوهر اللعبة نفسها.
وهنا نصل إلى سؤال الثقافة الكروية.
هل سنشعر فعلًا بأن هذه البطولة هي كأس عالم كما عرفناه دائمًا؟ أم أننا سنشهد نسخة يغلب عليها الطابع الأمريكي أكثر من أي شيء آخر؟
لا شك أن الولايات المتحدة تضم قاعدة جماهيرية متزايدة لكرة القدم، ولا يمكن إنكار النمو الكبير الذي شهده الدوري الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع استقطاب نجوم عالميين مثل ليونيل ميسي وغيرهم.
لكن النقاش لا يتعلق بوجود المشجعين من عدمه، بل بالأجواء المحيطة بالمباريات. هل سنرى ذلك الصخب المعتاد؟ الأهازيج، والأعلام، والعفوية، والفوضى الجميلة التي ميزت بطولات كأس العالم عبر العقود؟ أم أننا سنكون أمام حدث إعلامي وترفيهي عالمي ضخم أكثر من كونه مهرجانًا كرويًا؟
ومن هنا بدأ الحديث عن “أمركة” كأس العالم.
فكثيرون باتوا يشبّهون البطولة تدريجيًا ببطولة السوبر بول. وللمرة الأولى في التاريخ، ستشهد المباراة النهائية عرضًا فنيًا بين الشوطين (Half-Time Show). قد يرى البعض في ذلك إضافة إيجابية وعصرية، وقد يعتبره آخرون تطورًا طبيعيًا للعبة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان كأس العالم بحاجة أصلًا إلى هذا النوع من التطوير؟
فكأس العالم لم يصبح الحدث الرياضي الأهم على الكوكب لأنه كان عرضًا فنيًا ضخمًا، بل لأن جوهره كان دائمًا اللعبة نفسها. الكرة، والمباراة، واللحظة التي لا يمكن التنبؤ بها. هذا السحر الخاص لم يكن يومًا بحاجة إلى مؤثرات إضافية كي ينجح.
وبالطبع، لن يؤدي عرض بين الشوطين إلى تدمير كرة القدم. لكنه يمنحنا لمحة واضحة عن الاتجاه الذي ترغب الفيفا في دفع اللعبة نحوه: المزيد من الترفيه، والمزيد من التسويق، والمزيد من الإعلانات، والمزيد من المشاهير ورجال الأعمال.
ثم نصل إلى الملف الأكثر حساسية: الأسعار.
ربما كان ارتفاع أسعار التذاكر أكثر ما أثار استياء عشاق كرة القدم. صحيح أن حضور كأس العالم لم يكن يومًا تجربة رخيصة، لكن الأسعار هذا العام تبدو استثنائية. فقد وصلت أسعار بعض المباريات الكبرى إلى آلاف الدولارات، بينما تجاوزت أسعار مباريات الأدوار النهائية ذلك بكثير.
تقول الفيفا إن الأمر يعكس حجم الطلب وطبيعة السوق في أمريكا الشمالية. لكن المشجعين يطرحون سؤالًا أبسط:
متى أصبحت مشاهدة كرة القدم تجربة فاخرة تشبه حضور بطولات التنس الكبرى؟
عندما تصبح التذاكر بهذا المستوى من الكلفة، يبدأ الملعب بتمثيل شيء مختلف. لم يعد يعكس حب اللعبة أو الشغف بها بقدر ما يعكس القدرة المادية على الوصول إليها.
وربما لهذا السبب تحديدًا احتل موضوع المقاعد الفارغة مساحة واسعة من النقاش خلال الأشهر الماضية. فالتقارير تتحدث عن استمرار توفر أعداد كبيرة من التذاكر، خصوصًا عبر منصات إعادة البيع، وهو أمر يبدو محرجًا لبطولة يجري الترويج لها باعتبارها الأكثر طلبًا في التاريخ.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المقاعد ستكون ممتلئة أم لا.
السؤال الأهم هو: من سيملأ هذه المقاعد؟
هل سيكونون مشجعين أم عملاء؟ داعمين للعبة أم مستهلكين لها؟ أشخاصًا يعيشون كرة القدم بكل تفاصيلها، أم أشخاصًا يستطيعون ببساطة تحمّل تكاليفها؟
من الصعب تجاهل كل هذه الأسئلة. فحتى لو نجحت المباريات في خطف الأنظار، وحتى لو قدّمت البطولة لحظات كروية لا تُنسى، فإن ذلك لن يمحو النقاشات التي سبقتها ولن يجيب تلقائيًا عن المخاوف التي أثارتها.
وربما يبقى السؤال الأهم معلقًا حتى صافرة النهاية: هل كانت هذه البطولة خطوة جديدة في تطور كرة القدم، أم مجرد دليل آخر على اتساع المسافة بين اللعبة وجمهورها؟