كرة القدم الإسبانية في مواجهة الفساد والأزمات الداخلية

يفترض ان تكون كرة القدم الإسبانية في أحسن أحوالها. فمنتخب الرجال هو بطل أوروبا الحالي، بينما منتخب السيدات هو بطل العالم الحالي. وتواصل أندية مثل ريال مدريد وبرشلونة الهيمنة على الساحة الأوروبية، وظهر تألق جيل ذهبي جديد مثل: بيدري، ولامين يامال، ورودري، وداني أولمو، ونيكو ويليامز، فأصبحوا رموزًا لكرة القدم الإسبانية الحديثة. وأصبح فريق برشلونة للسيدات معيارًا لكرة القدم النسائية، حيث ضمّ فائزات بجائزة الكرة الذهبية مثل أليكسيا بوتيّاس وأيتانا بونماتي وهيمن على كرة القدم النسائية الأوروبية حائزا على 41 كأسًا منذ تأسيسه عام 1970وحتى العام 5202[1].

ومع ذلك، عندما نتحدث عن كرة القدم الإسبانية، فإن الحديث خلال السنوات الخمسة عشرة الماضية كان محصورًا في التنافس بين ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو. لا شك أن حقبتهما حوّلت الدوري الإسباني إلى مشهد عالمي، لكنها أيضًا ضيقت مفهوم كرة القدم الإسبانية إلى مبارزة بين رمزين. في الحقيقة، لطالما كان الدوري الإسباني موطنًا للاعبين ونجوم عالميين، حتى قبل حقبة ميسي ورونالدو. على سبيل المثال، في عام ١٩٩٨، تعاقد ريال بيتيس مع الجناح البرازيلي دينيلسون في صفقة كانت آنذاك من أغلى الصفقات في التاريخ[2]. لكن مع ضعف التغطية الإعلامية العالمية في التسعينيات، بقيت قصص كهذه طي النسيان، ونسيها المشجعون الذين لم يكتشفوا الدوري الإسباني إلا من خلال عدسة أكبر نجمين في العصر الحديث.

لكن رغم كل هذه النجاحات للكرة الإسبانية، يبرز واقع مقلق وضبابي حول مستقبل الكرة والأندية الاسبانية. إذ تُعاني كرة القدم للرجال والسيدات في إسبانيا من مشاكل مالية وأزمات فساد تُهدد استدامة هذه الرياضة. فهذا التناقض بين المجد على أرض الملعب والإهمال خارجه ليس جديدًا. وكما سنرى، ففضائح الفساد والقيود المالية والإخفاقات في التعامل مع كرة القدم النسائية، لا تزال تُقوّض النجاحات التي يُفترض أن تُميّز هذه الحقبة كأعظم حقبة في إسبانيا.

القيود المالية والفساد

تُعد قواعد اللعب المالي النظيف الصارمة التي يفرضها الدوري الإسباني، ولا سيما قاعدة [3]1:1، جوهر التحديات المالية التي تواجهها إسبانيا حيث تتعامل رابطة الليغا بصرامة شديدة مع الأندية فيما يتعلق بتطبيق القاعدة حيث يُسمح للنادي بـإنفاق يورو واحد فقط مقابل كل يورو واحد يقوم بتوفيره. فلا يجوز للأندية إنفاق أكثر من مبلغ يعادل دخلها على رواتب اللاعبين. بمعنى آخر، تمنع الأندية من إنفاق أموال تتجاوز مجموع إيراداتها التي تدخل إلى الخزينة سواء من قيمة انتقالات اللاعبين، أو حقوق البث التلفزيوني والتذاكر، والإعلانات والمبيعات التجارية، وكذلك حقوق الرعاية.

حتى برشلونة، أحد أغنى أندية العالم من حيث الإيرادات، لم يتمكن من تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في العمل وفق قاعدة 1:1 ما اضطرّه الى بيع العديد من اللاعبين.

وإلى جانب الأمور المالية، برزت فضائح فساد تطال كبار مسؤولي الاتحادات السابقين والتي تهدد مصداقية اللعبة. فألقت قضية نيغريرا بظلالها على نزاهة التحكيم بعدما “وجه القضاء الإسباني تهما بـ “الفساد”، “إساءة الأمانة” و”تزوير سجلات تجارية”، لنادي برشلونة ورئيسَين سابقَين له والمسؤول التحكيمي السابق خوسيه ماريا إنريكيس نيغريرا في قضية تتعلق بمدفوعات مزعومة دفعها النادي لنائب رئيس لجنة التحكيم الفنية السابق، نيغريرا، لتزويده بنصائح ومشورة بشأن الحكام”[4]. أما على مستوى الاتحادات، ففي واحدة من أبرز قضايا الفساد التي تضرب الرياضة الإسبانية، “يواجه الرئيس السابق للاتحاد الإسباني لكرة القدم أنخيل ماريا فيار تهماً تتعلق بالفساد المالي والإداري، قد تكلّفه أكثر من 15 عاماً خلف القضبان، وفق ما أعلنت عنه النيابة العامة لمكافحة الفساد”[5]. بالإضافة طبعا الى “قضية روبياليس” التي غيّرت وجه الكرة الاسبانية والتي كشفت عن التمييز الجنسي داخل الاتحاد الاسباني.

القبلة التي غيرت كرة القدم الاسبانية

عندما فاز منتخب إسبانيا للسيدات بكأس العالم في سيدني عام ٢٠٢٣، كان من المفترض أن تُحدث هذه اللحظة تحولا جذريا في الكرة الاسبانية للسيدات. لكن أخذ الرئيس السابق للاتحاد الإسباني لكرة القدم لويس روبياليس، الضوء عن هذا الإنجاز التاريخي حيث أثارت قبلته التي فرضها على اللاعبة جيني هيرموسو غضب عالمي. فما كان من المفترض أن يكون بداية عهد جديد لكرة القدم النسائية في إسبانيا أصبح دليل عن ثقافة ذكورية ومتحيزة ضد النساء، وعن تواطؤ إداري داخل الاتحاد والأهم كشف عن ضعف آليات المساءلة والشفافية. فبالرغم من أن الحادثة وقعت أمام العالم، دافع الاتحاد الاسباني في البداية عن روبياليس بشراسة، وحاول الضغط على هيرموسو للتراجع. فحتى بعد إجبار روبياليس على الاستقالة، ظلّ الكثير من أعضاء جهازه الفني في الاتحاد في السلطة، مما أصاب العديد من اللاعبات بخيبة أمل.

لكنّ قبلة روبياليس لم تكن سوى الشرارة التي جعلت الانتهاكات تطفو على السطح. ففي سبتمبر/أيلول 2022، أي قبل عام من التتويج، وجّهت 15 لاعبة [6]‘Las 15′ من المنتخب الإسباني رسالة رسمية إلى الاتحاد الإسباني لكرة القدم أعلنّ فيها انسحابهن من المنتخب، رافضات الاستمرار في ظل “ظروف غير مهنية” ومطالبات بتغييرات جذرية في الجهاز الفني. لكن الاتحاد تجاهل الرسالة ووصفها بأنها “ابتزاز”، ليبقى المدرب خورخي فيلدا في منصبه بدعم مباشر من روبياليس.

اللاعبات حينها تحدّثن عن:

  • رقابة مفرطة على حياتهن الشخصية، وصلت إلى التدخل في تفاصيل مثل الأكل والنوم.
  • غياب بيئة تدريبية احترافية، لا توازي ما يحظى به المنتخب الرجالي من إمكانيات.
  • انعدام الشعور بالأمان والاحترام داخل المعسكرات.

هذه الشكاوى لم تلقَ أي استجابة حقيقية، بل زادت من شعور اللاعبات بالخذلان. ومع حادثة هيرموسو، أصبح واضحًا أن الأزمة ليست فردية، بل هيكلية، وتعود إلى ثقافة مؤسساتية تُهمّش النساء وتدافع عن المسؤولين بدل محاسبتهم.

دراسة حالة  هل نادي برشلونة حقًا “أكثر من مجرد نادٍ”

يُجسد فريق برشلونة للسيدات تناقضات كرة القدم الإسبانية، فبينما يُعاني فريق الرجال من الديون ومشاكل تسجيل اللاعبين، كان فريق السيدات هو المصدر الأكثر ثباتًا للنادي. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، كان الفريق أحد أفضل الفرق التي شهدها العالم على الإطلاق، فهيمن على الدوري المحلّي ودوري أبطال أوروبا للسيدات، مع أفضل لاعبتين في العالم الحاصلتين على كرات ذهبية خلال 5 سنوات على التوالي، أليكسيا بوتييّاس (عام 2021 و2022) وأيتانا بونماتي (عام 2023، 2024، و2025).

ومع ذلك، وعلى الرغم من انتصاراتهن، اضطر فريق السيدات إلى التضحية بسبب الأزمة المالية التي يمر بها فريق الرجال والتي كان لها تأثير كبير على النادي. فتعرض فريق السيدات للعقوبات بسبب قضايا لا علاقة له بها بشكل مباشر، فتم الاستغناء عن العديد من اللاعبات دون إيجاد بديل مثل جانا فرنانديز (مدافعة)، إنغريد إنجين (خط وسط)، فريدولينا رولفو (مهاجمة)، وإيلي روبوك (حارسة مرمى)[7].

ونتيجة لذلك، دخل فريق السيدات موسم 2024-2025 بـ 18 لاعبة[8] فقط، وهو عدد ضئيل بالنسبة لفريق ينافس على كل البطولات الأوروبية والعالمية.

فبالرغم من ان شعار نادي برشلونة، “أكثر من مجرد نادٍ”[9]، يفترض ان يدل على التزام النادي بقيم تتجاوز كرة القدم، فإن القرارات المالية التي تؤثر على نادي برشلونة للسيدات تثير تساؤلات حول التزام النادي بفريقه النسائي. ويشير إعطاء الأولوية للاحتياجات المالية لفريق الرجال على حساب فريق السيدات إلى تفاوت في التزام النادي بالمساواة بين الجنسين وقيمه الأساسية التي يروّج لها.

إسبانيا بين البطولات في ارض الملعب والأزمات على ارض الواقع

في المحصلة، يبدو وضع الكرة الاسبانية وكأنه يعيش في ازدواجية، البطولات في ارض الملعب، وفساد ومشاكل هيكلية على ارض الواقع. فإذا كانت إسبانيا تريد أن ترقى إلى مستوى عصرها الذهبي على أرض الملعب، فإن ذلك يتطلب إصلاحًا جذريًا لبنيتها الكروية الداخلية. تقارير ودراسات عديدة كشفت عن المحسوبيات داخل الاتحاد الإسباني، وعن غياب آليات الحوكمة والشفافية في إدارته[10]. وحتى يتحقق التغيير، ستبقى كرة القدم الإسبانية تعيش تناقضًا صارخًا: بطولات وألقاب تُزيّن الواجهة، ونظام متدهور في العمق يلتهمه الفساد وسوء الإدارة..


[1] https://tibytv.com/barca-women-trophies-list/

[2] https://www.goal.com/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-12-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%8B%D8%A7–%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%84/blt6f0e3c8fce9a3225

[3] https://arabicpost.net/sports/2024/09/02/%d9%85%d8%a7-%d9%87%d9%8a-%d9%82%d8%a7%d8%b9%d8%af%d8%a9-1-1-%d9%85%d8%b4%d9%83%d9%84%d8%a9-%d8%a8%d8%b1%d8%b4%d9%84%d9%88%d9%86%d8%a9/

[4] https://www.france24.com/ar/%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6%D8%A9/20230311-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%88%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%AA%D8%B2%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%B3%D8%AC%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%B4%D9%84%D9%88%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%83%D9%8A%D9%85

[5] https://transparency.news/news/337540

[6] https://en.as.com/soccer/who-were-the-15-spain-players-who-withdrew-from-the-national-team-n/

[7] https://www.skysports.com/football/news/11095/13424310/barcelona-women-transfers-womens-champions-league-giants-left-without-a-full-matchday-squad-amid-clubs-financial-crisis

[8] https://www.fcbarcelona.com/en/football/womens-football/players

[9] https://www.fcbarcelona.com/en/club/more-than-a-club

[10] https://www.aljazeera.net/sport/2024/4/25/%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B6%D8%B9-%D9%88%D8%A8%D8%AF%D8%A1-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF